أبي منصور الماتريدي
72
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
والبراهين ، وأنهم رسل الله ، لكنهم عاندوا وكابروا « 1 » . ويحتمل : النصر لهم بما جعل آخر أمرهم لهم ، وإن كان قد أصابهم شدائد في بدء الأمر . أو نصرهم لما استأصل قومهم وأهلكهم بتكذيبهم الرسل ، وفي استئصال القوم وإهلاكه إياهم ، وإبقاء الرسل نصرهم ، وكذلك قوله - تعالى - : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا [ غافر : 51 ] وقوله : إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ [ الصافات : 172 ] يخرج على الوجوه التي ذكرناها . وقوله - عزّ وجل - : وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ هو ما ذكرنا من النصر لهم ، واستئصال قومهم ، وما أوعدهم من العذاب ؛ فذلك كلمات الله . ويحتمل قوله : لِكَلِماتِ اللَّهِ : حججه وبراهينه « 2 » ؛ كقوله : وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ [ يونس : 82 ] ، أي : بحججه وآياته ، وكقوله - تعالى - : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي [ الكهف : 109 ] أي : حجج ربي . وقوله - عزّ وجل - : وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ يحتمل ما ذكرنا من إهلاك القوم وإبقاء الرسل ، قد جاءك ذلك النبأ . ويحتمل قوله - تعالى - : وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ من تكذيب قومهم لهم وأذاهم إياهم ، فإن كان هذا ففيه تصبير رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم . [ وقوله وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ كان يشتد على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ] « 3 » ويشق عليه كفر قومه وإعراضهم عن الإيمان ، حتى كادت نفسه تتلف وتهلك لذلك إشفاقا عليهم ؛ كقوله : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [ فاطر : 8 ]
--> ( 1 ) ينظر اللباب ( 8 / 116 ) ، ومعالم القرآن ص ( 274 ) ، البحر المحيط ( 4 / 118 ) . ( 2 ) البرهان : هو الدليل القاطع ، فهو أخص من الدليل الواضح قال الراغب : والبرهان أوكد الأدلة ، وهو ما يقتضي الصدق أبدا لا محالة ، ودلالة تقتضي الكذب أبدا ، ودلالة إلى الكذب أقرب ، ودلالة لهما على السواء . واختلفوا في نونه هل هي أصلية أم زائدة ؟ قال الهروي : هو رابعي ، ولذا ترسم مادته بباء وراء وهاء ونون . ويؤيده قولهم : برهن يبرهن برهنة ، فتثبت النون في تصاريفه . إلا أن الظاهر زيادتها اشتقاقا من البره ، وهو بياض . يقال : بره يبره : إذا أبيض . ورجل أبره ، وامرأة برهاء ، وقوم بره أي بيض ، وامرأة برهرهة أي شابة بيضاء . فسمي الدليل الواضح بذلك لظهوره وسطوعه بجلاء بياضه وإضاءته ، ولذلك وصفوه بالساطع والنير في قولهم : برهان ساطع نير فهو مصدر لبره ويبره كالرجحان والنقصان . ينظر عمدة الحفاظ ( 1 / 211 ) والمفردات للراغب الأصفهاني ص 45 . ( 3 ) سقط في أ .